
تشي والداو وعلم الأحياء الخلوي
كتب بواسطة
الدكتورة كاثرين كوروسو
ترجمة
آریانمهر
وقت القراءة
9 دقيقة
تاريخ النشر
تعتمد كلٌّ من التقاليد الطبية الغربية والشرقية في تعريفها للصحة على الأداء السليم لأجهزة الجسم. ففي النموذج الطبي الغربي، تُفهم الصحة على أنها الأداء الأمثل لعملية الأيض الخلوي (Cellular Metabolism)، أما في النموذج الشرقي، فتُفهم على أنها التدفق السلس والمتوازن للطاقة الحيوية «تشي» (Qi؛ 氣). فأيّ المفهومين صحيح؟ كلاهما صحيح.
لقد أدرك الممارسون القدماء في كلا التقليدين العلاجيين أن قوة الطاقة الحيوية لدى الإنسان ووفرتها، أو ما يُعرف باسم «تشي» (Qi)، يمكن أن تكونا مؤشراً على حالته الصحية ومتوسط عمره المتوقع. كما لوحظ أن الحيوية أو الضعف الجسدي قد ينتقلان من جيل إلى آخر داخل الأسرة الواحدة.
في الطب الشرقي، تُسمّى الطاقة التي نتلقاها من والدينا «تشي ما قبل السماء» أو «تشي ما قبل الولادة» (Pre-heaven Qi؛ 先天之氣). أما في الطب الغربي، فيمكن مقارنة هذا المفهوم بالتكوين الوراثي للفرد.
في كلتا الحالتين، هذه هي الأوراق التي تُوزَّع علينا في بداية لعبة الحياة. لكن القرارات التي نتخذها أثناء اللعب هي التي تؤثر في النتيجة النهائية. وتشمل هذه القرارات نوعية الطعام الذي نتناوله، وجودة الهواء الذي نتنفسه، ومدى ممارستنا للنشاط البدني، وعدد ساعات نومنا، وطريقة تعاملنا مع التوتر، وكيفية فهمنا لمكانتنا داخل الأسرة والمجتمع، إلى جانب عوامل أخرى عديدة.
إن اجتماع هذه العوامل جميعها يحدد جودة الموارد الجسدية والعاطفية والروحية التي تسند حياتنا وتحافظ على استمراريتها.
من منظور الطب الشرقي، يُطلق على هذه الطاقة اسم «تشي ما بعد السماء» أو «تشي ما بعد الولادة» (Post-heaven Qi؛ 後天之氣)، ويقع جزء كبير منها ضمن نطاق سيطرتنا. وينطبق الأمر نفسه من منظور الطب الغربي.
لقد ورثتَ مجموعة محددة من الكروموسومات عن والديك. وربما تزيد بعض خصائصها الوراثية من استعدادك للإصابة بأمراض مثل أمراض القلب أو السكري أو السرطان، لكن الإصابة بهذه الأمراض ليست أمراً حتمياً. فالطريقة التي تختار أن تعيش بها حياتك تؤثر فعلياً في التعبير الجيني (Gene Expression) وفي العمر الذي يمكن أن تعيشه خلايا جسمك.
نواة الخلية: مركز التحكم
كيف يحدث ذلك؟
تحتوي معظم خلايا الجسم على نواة تمثل مركز التحكم فيها. وداخل هذه النواة توجد الكروموسومات التي تتكون من الجينات. ويمكن تشبيه الجينات بمخطط هندسي يحدد كيفية بناء الجسم وعمله.
منذ لحظة الإخصاب وعلى امتداد الحياة، تُنسخ جيناتنا لإنتاج خلايا جديدة. وتحدد الجينات التي نحملها بعض إمكاناتنا البيولوجية؛ فعلى سبيل المثال، قد تؤثر في الطول الذي يمكن أن نبلغه، أو سرعة عملية الأيض لدينا، أو مدى استعدادنا للإصابة بنوع معين من السرطان.
وتؤثر عوامل عديدة في كيفية التعبير عن جيناتنا، من بينها نوعية الغذاء، ومستوى النشاط البدني، وساعات العمل، والضغوط النفسية التي نتعرض لها، وما إذا كنا ندخن أو نتناول الكحول أو نتعرض للملوثات البيئية.
حتى عملية نسخ المادة الوراثية نفسها يمكن أن تؤثر في الجينات. ففي كل مرة تنقسم فيها الخلية وتحتاج إلى إنشاء نسخة من الجينات الموجودة داخل النواة، يُفقد جزء صغير من المادة الوراثية عند نهايات الكروموسومات. ومع مرور الوقت، إذا فُقد مقدار كافٍ من هذه المادة، تصبح الخلية غير قادرة على أداء وظائفها بصورة سليمة، ثم تموت.
تتكون المادة الوراثية من الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (Deoxyribonucleic Acid؛ DNA). ويتألف الـDNA من أزواج من النيوكليوتيدات (Nucleotides). ويحدد ترتيب هذه النيوكليوتيدات ما إذا كان التسلسل يحتوي على معلومات تنظّم النمو والأيض والتكاثر من خلال إنتاج البروتينات.
ويُطلق على هذا النوع من الـDNA اسم «الحمض النووي المُشفِّر» (Coding DNA).
لكن الجزء الأكبر من الـDNA لا يشفّر بهذه الطريقة، بل يؤدي دوراً يمكن تشبيهه بعلامات الترقيم في الجملة. فالفاصلة أو النقطة لا تحمل معنى كاملاً في حد ذاتها، لكن موضعها يساعد على تنظيم الجملة ومنحها التماسك. وتُسمّى تسلسلات الـDNA التي تؤدي مثل هذه الوظائف «التسلسلات غير المُشفِّرة» (Noncoding Sequences).
أحد هذه التسلسلات غير المُشفِّرة يُسمّى «التيلومير» (Telomere)، ويوجد عند نهاية كل كروموسوم. وتتمثل وظيفته في حماية الـDNA المُشفِّر من التلف أثناء تضاعف الخلايا.
اكتشف الباحثون إليزابيث بلاكبيرن (Elizabeth Blackburn) وكارول غرايدر (Carol Greider) وجاك زوستاك (Jack Szostak) التيلوميرات والإنزيم المرتبط بها، المعروف باسم «التيلوميراز» (Telomerase)، خلال ثمانينيات القرن العشرين. وقد تقاسم هؤلاء العلماء جائزة نوبل تقديراً لأعمالهم البحثية الرائدة.
وتشبّه الدكتورة بلاكبيرن التيلومير بالقطع البلاستيكية الموجودة عند نهايات أربطة الأحذية، والتي تمنعها من التنسّل والتآكل. فمع كل عملية تضاعف للكروموسوم، يقصر التيلومير، ثم يُعاد بناؤه بمساعدة إنزيم التيلوميراز.
وهكذا تحمي التيلوميرات المعلومات الأساسية الموجودة داخل خلايانا. ويبدو أن طول التيلوميرات يرتبط بمقدار الحماية التي تتمتع بها الخلايا من الموت الخلوي؛ فكلما كانت أطول، زاد الهامش الوقائي المتاح أمام الخلية.
أشارت الأبحاث اللاحقة إلى أن طول التيلوميرات، سواء أكان ضمن النطاق الطبيعي أم غير الطبيعي، يمكن أن يتأثر بالعوامل الوراثية. وقد تزيد التيلوميرات القصيرة من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.
كما تُظهر بعض الدراسات أن طول التيلوميرات قد يتأثر إيجابياً بتقليل الضغوط الجسدية والنفسية، من خلال ممارسة الرياضة، والحصول على نوم كافٍ، وتحسين التغذية، وتنمية اليقظة الذهنية (Mindfulness)، والتأمل (Meditation)، وممارسة تشي غونغ (Qigong؛ 氣功).
وقد استُخدم طول التيلوميرات لدى المتبرعين بالأعضاء والمتلقين لها أيضاً مؤشراً لتقدير خطر الرفض الحاد للعضو المزروع أو فشله.
وكما أن قوة «تشي ما قبل السماء» و«تشي ما بعد السماء» وحيويتهما قد تشيران في كثير من الأحيان إلى صحة جيدة، يمكن استخدام طول التيلوميرات مؤشراً على العافية. ويمكن القول إن التيلوميرات وإنزيم التيلوميراز يقدّمان أحد التفسيرات العلمية المحتملة لمفهومي «تشي ما قبل السماء» و«تشي ما بعد السماء».
وربما يتمكن العلم يوماً ما من تفسير جميع الظواهر التي وصفها الممارسون القدماء اعتماداً على ملاحظاتهم الدقيقة.
لكن قبل أن تبدأ البحث عبر الإنترنت عن مكمّل غذائي يزيد مستويات التيلوميراز لديك، يجدر بك الانتباه إلى تحذير الدكتورة بلاكبيرن: تمتلك الخلايا السرطانية القدرة على تنشيط التيلوميراز، والحفاظ على طول تيلوميراتها، لتصبح عملياً قادرة على الانقسام بلا حدود.
لذلك، واتباعاً لحكمة الداو (Dao؛ 道)، من الأفضل أن نسلك الطريق الوسط. علينا أن نوازن بين الجهد الصحي وممارسات الاستشفاء واستعادة الطاقة، وأن نقلل الضغوط النفسية إلى أدنى حد ممكن، وأن نزيد القيمة الغذائية لما نتناوله من طعام إلى أقصى حد ممكن.
العيش في حالة من عدم الانسجام مع الداو
للأسف، يعيش معظمنا في حالة من اختلال التوازن. نعمل لساعات طويلة وننام أقل مما نحتاج إليه. ونجلس ساعات متواصلة من دون حركة. ونتناول الوجبات الجاهزة والأطعمة المصنّعة بينما ننتقل على عجل من نشاط إلى آخر.
كما نجد صعوبة في المحافظة على العادات الصحية، مثل ممارسة تمارين القلب والأوعية الدموية، والتأمل، والتاي تشي (Tai Chi؛ 太極拳)، وتشي غونغ (Qigong؛ 氣功)، واليوغا (Yoga).
لقد ترك العيش بعيداً عن الانسجام مع الداو آثاراً واضحة علينا، أفراداً ومجتمعات.
خلال العقود القليلة الماضية، شهدت الصحة العامة للسكان في الولايات المتحدة تغيرات لافتة، ولا سيما فيما يتعلق بالأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، مثل أمراض القلب، والسكري، واضطرابات الجهاز الهضمي، ومرض ألزهايمر، والألم المزمن، والسرطان.
وتُعرَّف الأمراض المزمنة بأنها أمراض غير معدية تستمر لفترات طويلة، ولا تزول من تلقاء نفسها، ونادراً ما يمكن الشفاء منها بصورة كاملة. وينجم جزء كبير من هذه الأمراض عن اختيارات غير صحية في نمط الحياة، مثل سوء التغذية، وقلة النشاط البدني، والتدخين.
الأمراض المزمنة
يُعزى نحو 70% من إجمالي الوفيات في الولايات المتحدة إلى الأمراض المزمنة. ويعاني أكثر من 130 مليون أمريكي من مرض مزمن واحد على الأقل؛ أي ما يقارب نصف عدد البالغين في الولايات المتحدة. ويواجه كثير من هؤلاء الأشخاص قيوداً كبيرة تؤثر في مختلف جوانب حياتهم.
ولا تقتصر أعباء الأمراض المزمنة على المعاناة الفردية، بل تمتد لتفرض تكاليف باهظة على المجتمع بأكمله. إذ تستحوذ نفقات الرعاية المقدَّمة للمصابين بهذه الأمراض على 86% من إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية في البلاد.
وتشير التوقعات الصادرة عن مصادر مختلفة إلى أن انتشار هذه الأمراض سيواصل الارتفاع خلال العقود المقبلة.
لكن الصدمة الحقيقية تكمن في تأثير اختياراتنا الحالية في نمط الحياة على أطفالنا.
في ستينيات القرن العشرين، كان أقل من 2% من الأطفال والمراهقين الأمريكيين يعانون من أمراض مزمنة. وبحلول عام 2004، تضاعفت هذه النسبة أربع مرات تقريباً، لتصل إلى 8%.
وهذه الزيادة وحدها كافية لإثارة القلق، لكن البيانات التالية أكثر إثارة للانزعاج. ففي عام 2007، كان أكثر من 25% من الأطفال والمراهقين يعانون من مرض مزمن.
إن هذا الرقم مذهل حقاً. ولو رسمنا هذه البيانات على مخطط بياني، لحصلنا على منحنى أُسّي؛ أي إن استمرار هذا الاتجاه من دون تدخل قد يؤدي، في المستقبل غير البعيد، إلى إصابة جميع أطفالنا بمرض مزمن واحد أو أكثر، مثل السكري، وأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، والربو، والسمنة، أو السرطان.
فلماذا يحدث ذلك؟ وماذا يمكننا أن نفعل لمواجهته؟
لنبدأ أولاً من منظور الطب الغربي، ولنلقِ نظرة على البيولوجيا الكامنة وراء الأمراض المزمنة.
للوهلة الأولى، قد لا تبدو هناك صلة واضحة بين جميع الأمراض المزمنة التي ذكرناها. فمن المعروف أن السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسمنة غالباً ما تظهر مجتمعة. ولكن ماذا عن الحالات الأخرى، مثل الألم المزمن، والتهاب المفاصل، واضطرابات الجهاز الهضمي، ومرض ألزهايمر، والربو، والاكتئاب؟
قد لا تكون العلاقة بينها واضحة للوهلة الأولى، لكنها تشترك جميعاً في عامل أساسي: اضطراب الوظائف الخلوية على المستوى الجزيئي.
وقد ينجم هذا الاضطراب عن الالتهاب المزمن (Chronic Inflammation)، والإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress)، وهو ناتج ثانوي للعمليات الكيميائية الحيوية داخل الخلية، إضافة إلى قِصر التيلوميرات.
ويؤدي الالتهاب المزمن إلى الإجهاد التأكسدي وقِصر التيلوميرات. ومع مرور الوقت، تتراكم الأضرار إلى حد تصبح معه الخلية عاجزة عن التعافي. وعندئذٍ، تُفعِّل الخلية برنامجاً للتدمير الذاتي يُعرف باسم «الاستماتة» أو «الموت الخلوي المبرمج» (Apoptosis).
الالتهاب: من آلية دفاعية إلى عامل مسبب للمرض
الالتهاب في حد ذاته ليس أمراً سيئاً. بل إنه عملية أساسية في الشفاء والتعافي، وهو استجابة طبيعية من الجسم للإصابات الحادة أو العدوى.
فعندما تتعرض ركبتك للخدش، أو تُصاب بالالتهاب الرئوي، تطلق خلايا الدم البيضاء مواد كيميائية معينة تُسمّى «الواسمات الالتهابية» (Inflammatory Markers).
وتُنبّه هذه المواد الجسم إلى ضرورة زيادة تدفق الدم نحو المنطقة المصابة. فعلى سبيل المثال، قد تصبح ركبتك أكثر احمراراً وتشعر بأنها أكثر دفئاً بعد الإصابة. وهذه علامات تدل على أن جهازك المناعي يستجيب بصورة سليمة.
وتساعد زيادة تدفق الدم على إيصال مزيد من العناصر الغذائية والخلايا المكافحة للعدوى إلى الجزء المتضرر من الجسم.
فلو عجز جسمك عن إطلاق استجابة مناعية مناسبة، لما تمكنت من البقاء على قيد الحياة؛ إذ كنت ستستسلم لأول عدوى فيروسية أو بكتيرية تتعرض لها.
لكن يبدو أن خللاً واسع النطاق قد طرأ على هذه المنظومة. فقد اكتُشف أن الالتهاب المستمر منخفض الدرجة يسهم بدرجة كبيرة في نشوء الأمراض المزمنة، لأن الجهاز المناعي يبدأ بمهاجمة الأنسجة الطبيعية في مختلف أنحاء الجسم.
ويُطلق على هذا النوع من الالتهاب اسم «الالتهاب الأيضي» (Meta-inflammation)، أو «التهاب الجسم بأكمله» (Whole-body Inflammation).
وهو لا ينشأ استجابةً لإصابة حادة أو عدوى، بل يمكن أن تسببه العادات المرتبطة بنمط حياتنا.
وعلى الرغم من أن السموم البيئية قد تسبب الالتهاب أيضاً، فإن بإمكاننا تقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة من خلال اتخاذ قرارات أفضل.
فخياراتنا المتعلقة بالغذاء، واستهلاك الكحول، والتدخين، والنشاط البدني، والنوم، وإدارة التوتر، تؤثر تأثيراً كبيراً في جهازنا المناعي.
وعندما نواصل اتخاذ خيارات غير صحية، فإننا نُحمّل أجسامنا أعباءً تفوق قدرتها على التعامل معها.
وفي عالم الحاسوب، توجد عبارة شهيرة تقول: «مدخلات رديئة، مخرجات رديئة» (Garbage In, Garbage Out).
ومن منظور الطب الغربي، تُعد الأمراض المزمنة نتيجة منطقية للتعرض المستمر، على مدى طويل، لعوامل تعزز الالتهاب وتسبب تلف الأنسجة.
منظور الطب الشرقي للأمراض المزمنة
ينظر الطب الشرقي إلى الأمراض المزمنة بطريقة مشابهة إلى حد كبير.
فالصحة، وفقاً لهذا المنظور، تُعد نتيجة طبيعية للعيش في حالة من التوازن. وينبغي للدم والطاقة الحيوية «تشي» أن يتدفقا بسلاسة عبر قنوات الجسم ومساراته. كما ينبغي أن يكون الجوهر الحيوي والطاقة والروح في حالة من الانسجام.
ويتحقق ذلك أساساً من خلال الاعتدال في الغذاء، وممارسة الرياضة، والحصول على نوم كافٍ، والمواظبة على الممارسات التأملية.
وعلى الرغم من أن الوخز بالإبر (Acupuncture) والأعشاب الطبية (Herbal Medicine) يحتلان مكانة بارزة في الطب الشرقي، فإن الالتزام بنظام حياة صحي يظل حجر الأساس في هذا النظام العلاجي.
تاريخ النشر: 14 فبراير 2022