
التشي (Qi)؛ نَفَسُ العالَمِ الذي لا اسمَ له
كتب بواسطة
آریانمهر
وقت القراءة
9 دقيقة
تاريخ النشر
ليس في لغاتنا كلمة مكافئة لكلمة «تشي». حين نقول «طاقة» نكون قد قلنا شيئًا، وأخفينا أشياء أكثر بكثير. التشي ليس مادةً، ولا روحًا، ولا قوةً يمكن صبّها في وعاء وقياسها. هذه المقالة محاولة للاقتراب مما سمّته النصوص الصينية القديمة «تشي»، من أقدم أثر له في الريح إلى آخر ظهور له في الضباب والندى في الجسد.
١. قبل التشي كانت الريح
في أقدم النقوش الصينية، العائدة إلى القرون الرابع عشر حتى الثاني عشر قبل الميلاد، لا وجود لرمز التشي. ما نجده هو رمز الريح. كانت الريح في ذلك العالم رسول السماء: تأتي من أعلى، وتبلغ الأرض، فتستثير استجابتها. وفي قلب رمز الريح حشرة، لأن الريح هي التي أيقظت الدودة، وحرّكت الصلصال، وأنبتت الحبّة وأنضجتها. وكان هذا الرمز قريبًا من رمز العنقاء الصينية (الفينغهوانغ)، الطائر الذي خدم الكائن الأعلى حارسًا للرياح الأربع والجهات الأربع.
إذن كانت أول رؤية للتشي هذه: شيء ينزل من أعلى فيُيقظ الحياة في الأرض.
أما رمز التشي نفسه فظهر لاحقًا. شكله القديم بخار يصعد من أسفل، ومعناه الأصلي الدعاء أو التضرّع. أما الشكل الأكمل ففي وسطه حبّة أرز: بخار طبخ الحبوب يرفع غطاء القدر ببطء. في هذه الصورة الصغيرة كل شيء: الدفء، والقوة، والحركة، وتحوّل الغذاء إلى ما يقيم الحياة.
٢. لا جوهر ولا روح
القول المحوري في الكتاب هو: التشي ليس جوهرًا ولا روحًا.
يتجلّى التشي في كل ظاهرة ولا ينفصل عن تجلّيها. هو يمنح كل شيء خصوصيته وحركته، لكنه ليس هويّة الشيء نفسه. هو «كل شيء» و«هذا الواحد» معًا؛ الكل والجزئيّ.
حين يزول شيء لا يموت التشي، بل يفقد الشكل فحسب ويتوقف عن أن يُرى. يمكننا أن نسمّيه ضربًا من الإمكان اللامحدود؛ لكن هذا «الإمكان» ليس تجريدًا، بل واقع حقيقي. ولهذا ليس «تشيّ أنا» ملكًا خالصًا لي. هو لي لأنه ألآن حياتي. وإن انتهت حياتي يومًا لم تزل الأرواح ولا التشي؛ يصيران شيئًا آخر في مكان آخر، ويواصلان حركة الحياة اللانهائية.
هذه الرؤية، التي تقترب منها التقاليد الهندية من زاوية أخرى، لا تفصل الموجة عن البحر: الموجة هي البحر، اتخذ هنا والآن شكلًا معيّنًا.
٣. اليين واليانغ: تعبيران عن تشي واحد
يذكّرنا الكتاب بأن اليين واليانغ كانا في البداية مجرد ظلّ وشمس، اسمَي البرد والحرّ، واثنين فقط من «التشي الستة للسماء». ثم صار التشي نفسه مفهومًا في حالتين: انقباض وانبساط. لا يمكن الحديث عن التشي دون اليين واليانغ، ولا عن اليين واليانغ دون التشي.
اليانغ بخار ونهوض وانتشار ودفء. اليين تكثّف واستقرار وبرد. ليسا تشيين، بل تعبيرين عن تشي واحد. يقول نصّ «سوون» (Suwen)، أحد النصوص التأسيسية للطب الصيني، إن البرد عند أقصاه يولّد الحرارة، وإن الحرارة عند أقصاها تولّد البرد. تدور الحياة بين هذين القطبين ولا تذهب أبدًا إلى حدّ يمتنع معه الرجوع، لأن ذلك هو الموت. ويستعمل النص نفسه صورة الغيم والمطر: التشي الصافي اليانغي يصعد ويصير غيمًا، والتشي العكر الييني ينزل ويصير مطرًا. هذا هو جسدنا نفسه: ما يصعد يُصفّي الرأس والحواس، وما ينزل يعود إلى التراب.
تقول روشا دو لا فاليه إن الماء هو أفضل مثال على التشي، لأنه يغيّر شكله: ماء، بخار، جليد، ويبقى الماء نفسه.
٤. الآفة الكبرى: الركود
في النصوص القديمة ليست المشكلة المحورية للتشي «الشرّ»، بل الانسداد. يجب أن يجري التشي كالماء، والماء إذا ركد فسد.
في رواية من «زووتشوان» (Zuozhuan) ينظّم الحاكم الحكيم حياته على أربع لحظات من اليوم: في الصباح يجلس لسماع الناس، وفي النهار يجمع المعلومات، وفي المساء يكتب أوامره، وفي الليل يستريح. والنتيجة، كما يقول النص، أنه «ينظّم انتشار تشيه ولا يدعه يركد». بهذا يبقى بعيدًا عن «إرهاق الجسد، وعتمة القلب، واضطراب الفكر». ولهذا السبب يُقاس النبض في الفجر: ففي تلك الساعة لم يُحرّك التشي بعد بضجيج النهار.
تتجلّى هذه الفكرة عن الإيقاع في كلمة جيه (节)، عقد الخيزران. الإيقاع يعني المسافة الصحيحة بين العقد: لا مضغوطة ولا منقطعة.
٥. الإرادة والتشي والقلب الذي لا يهتزّ
يصف منسيوس، الفيلسوف الكنفوشيوسي، علاقة التشي بالإرادة هكذا: الإرادة قائد التشي، والتشي ما يملأ الجسد. لكن العلاقة ليست في اتجاه واحد: حين تتشبّث الإرادة تُحرّك التشي، وحين ينسدّ التشي يُحرّك الإرادة. ويتحدّث عن قلب لا يهتزّ، وعن ما يسمّيه «التشي الفيضي» (هاو ران جي تشي)، قوّة هائلة لا تلين، إذا غُذّيت بالاستقامة ولم تُعق ملأت ما بين السماء والأرض.
كلمة هاو تحمل جذر الماء: شامل وجارٍ. وكلمة ران تحمل جذر النار: طبيعي بلا تكلّف. التشي الفيضي بحر مطمئن. وما تبرزه روشا دو لا فاليه أن مثل هذا التشي، حين يُهذّب، يتحد فيه التشي الداخلي مع التشي الخارجي، وهذا بداية نوع من الوعي الكوني.
ويحذّر منسيوس أيضًا: إن لم تستطع أن تقول شيئًا بوضوح، فلن يجعله التفكير المزيد واضحًا. الانسداد في التشي لا في الذهن.
في هذا صدى خافت من «البهاغافاد غيتا»، وإن كان من تقليد آخر: العمل دون التعلّق بثماره، وثبات ينبع من قلب هادئ. التشي لا يجيب من يجاهد دون أن يصغي إلى الإيقاع.
٦. التشي قبل الشكل
من ألفت نقاط الكتاب أن التشي يسبق الشكل دائمًا. في حكاية قديمة، تقاتل حيّتان عند باب مدينة، فيسأل الحاكم عن معنى ذلك. يكون الجواب: حين يخاف الناس يلتهب تشيهم كاللهيب فتظهر مثل هذه الأشياء؛ من الإنسان نفسه تنشأ الأشباح.
بكلام بسيط: نحن لا نتلقّى التشي فحسب، بل نُرسله أيضًا: بالنفس، وبالحال، وبما نحمل في القلب. والتشي المُرسَل يأخذ شكلًا.
وفي «هوايننزي» (Huainanzi) نقرأ أن الجسد مسكن الحياة، والتشي ملؤها وقوتها، والروح (شن) دليلها. إن فقد أحد الثلاثة موضعه تضرّرت الثلاثة. والمجنون لديه الثلاثة جميعًا، لكنه يستعملها في غير موضعها.
٧. التجاويف الفارغة
أقدم صورة وأجملها في هذا الكتاب جاءت من تشوانغ تسي: الأرض تتنفّس، ونفسها اسمه الريح. حين تهبّ الريح تصرخ عشرة آلاف تجويف، وحين تمرّ تعود كلّها فارغة.
تشير روشا دو لا فاليه إلى أن كلمة «التجويف» (تشياو، شوئه) هي نفسها المستعملة في الوخز بالإبر لنقاط الجسد. جسدنا أيضًا مصنوع من هذه الأرض المثقوبة: مفتوح للتشي.
وهنا الحكاية: الشجرة لا تمسك شيئًا بعد العاصفة. أما نحن فنبقى ممتلئين بالتشي والانفعال والهموم حتى بعد أن تمرّ الريح. المعلم زيشي في تشوانغ تسي يجلس وجسده كشجرة يابسة وقلبه كرماد ميت، ويقول: «الآن فقدت نفسي.»
وفي الكتاب نفسه نقرأ موت زوجة تشوانغ تسي، وجلوسه يقرع على جرّة ويغنّي. لقد حزن، كما يقول، ثم نظر إلى البداية: كان هناك أولًا لا حياة، ثم لا شكل، ثم حتى لا تشي. من هذا الالتباس حدث تغيّر، فظهر التشي، ثم الشكل، ثم الحياة، والآن الموت، «كدوران الفصول الأربعة». الحياة اجتماع التشي، والموت تفرّقه.
هذا هو التشي نفسه، تارة متكثّفًا ومرئيًّا، وتارة خفيًّا وكامنًا. ليس هناك تشيان.
٨. في الجسد: السماء فيّ، الأرض فيّ
يقرأ الطب الصيني التشي نفسه في الجسد. حين يتجلّى التشي يمكن قراءته من الشكل الذي يأخذه، وهذا معنى التشخيص.
من أهم الجمل في الكتاب جملة من «لينغشو» (Lingshu): «السماء فيّ فضيلة، والأرض فيّ تشي.» قبل القوة اتجاه، وقبل الحركة استقامة.
يسمّي الكتاب أنواعًا عدة من التشي في الجسد، ونكتفي هنا بخطوطها العامة:
- تشي المنبع (يوآن تشي): القوة التي تتحرك «بين الكليتين»، جذر حياة الفرد. تحمل كلمة يوآن صورة ماء ينبجس من صخرة. تؤكّد روشا دو لا فاليه أن هذا الموضع ليس تشريحيًّا؛ إنه يتحدّث عن مركز الجذع، ويرتبط ب«التكليف» (مينغ)، ما أُعطيه كل واحد منا ليكونه.
- التشي الأسلافي (زونغ تشي): يجتمع في «بحر التشي» في وسط الصدر، ويعطي إيقاعًا للتنفس ونبض القلب.
- التشي الأصيل (جن تشي): ما نتلقاه من السماء، التنفس ونظامنا الذاتي معًا.
- التشي القويم (جنغ تشي): كل تشي في مكانه وزمانه الصحيحين. جنغ تعني التوقف عند حد.
- التشي المنحرف (شيه تشي): تشي في غير موضعه؛ «ريح اللصّ» التي تدخل من فراغنا.
- التشي المُغذّي والتشي الحارس (يينغ ووي): تعبيران عن اليين واليانغ في الجسد؛ الأول يبني ويُصلح ويحفظ، والثاني يحرس ويجوب. يجوب التشي الحارس في اليانغ نهارًا، ويعود إلى اليين ليلًا ليجدّد نفسه، كالشمس.
وفي آخر صورة من الكتاب، يصف «لينغشو» التشي «كالضباب والندى». الضباب شبه ماء، والندى شبه تشي.
٩. المرض مخالفةً للجريان
من التعاريف المدهشة في الكتاب تعريف المرض. في هذه النظرة، المرض حركة تخالف الجريان الطبيعي للحياة (ني). التشي الذي في غير مكانه، أو في غير أوانه، أو المفرط، هو بالفعل مرض.
ويحذّر النص من أن ريح اللصّ تدخل من فراغنا. إن كان الداخل تامًا وجاريًا فلن تضرّه برودة في غير أوانها ولا ريح مفاجئة كثيرًا. «إن بقي قلبك هادئًا استطعت أن تحفظ دفاعك متوازنًا.»
ويقدّم نص «سوون» ٢ صورة واسعة: حين تكون السماء صافية هادئة يكون النور ساطعًا. أما إذا حُبست فضيلة السماء في نفسها، فقدت الشمس والقمر بهاءهما، وانهمرت رياح اللصوص. لا تبادل ولا تواصل. هذا كلام عن العالم وعن القلب معًا.
١٠. العودة إلى المنبع
ربما كان أوضح درس في الكتاب هو أن المنبع حاضر دائمًا. النهر يبقى نهرًا ببركة منبعه، وإن قطعته لم يبقَ نهر. قد يتكدّر ماء النبع في الطريق، لكنه إن ظلّ جاريًا صفّى نفسه من جديد. التحدّي أن نقبل كثافة العالم، كما نقبل البرد والحرّ، وأن نظلّ جارين نحو البحر.
وحين تقتبس روشا دو لا فاليه من هيغل: «الحرية هي الضرورة المُدرَكة»، تقول: هذا داويّ جدًّا.
إن تهذيب التشي، في النهاية، ليس تراكم قوة ولا التلاعب بها. إنه ضبط وتوليف، كما تُضبط الآلة الموسيقية. المهم هو الفعل نفسه، لا ما نرجوه منه. حين نتعلّم أن نسير مع حركة الحياة، يهدأ القلب، ويجري التشي، ويجد ما كنت أظنّ أني «أعرفه» مكانًا يضع فيه نفسه: المنبع نفسه الذي كان منذ البداية.
للاستزادة: Elisabeth Rochat de la Vallée, A Study of Qi in Classical Texts, Monkey Press, 2006.